محمد أبو زهرة

1593

زهرة التفاسير

من العفاف ؛ لأنه تحرى العفاف وبلوغ أقصى غاياته ، ومعنى ذلك أنه لا يأخذ شيئا ؛ لأن طلب أي شئ من غير حاجة طمع في مال اليتيم ، يتنافى مع العفاف الذي ينبغي أن يتحلى به الأوصياء . والقسم الثاني : فقير أذنه الله تعالى بأن يأكل من مال الصغير بالمعروف أي بالقدر الذي لا يستنكر ، فلا يسرف في الأخذ ، وقد قال رجل للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إني فقير ليس لي شئ ولى يتيم ، فقال له : « كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثل » « 1 » أي جامع مدخر تتجاوز الحاجة ، وقد روى أن عمر بن الخطاب شبه الوالي على المسلمين بالوصى على اليتيم ، قال : ( ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت ) . ونرى من هذا أن الآية تشير إلى أنه لا تفرض أجرة للغنى قط ، أما الفقير فيأكل بالمعروف ، ولا يكون ذلك أجرة لأنه ممنوع من التأثل والادخار ؛ وذلك لأن اليتيم رعايته فرض كفاية على المسلمين ليخرج أليفا مألوفا ، ولا يخرج منابذا الجماعة ، شرا عليها . وجمهور الفقهاء قد قرروا جواز فرض أجرة حتى للغنى خشية أن يحجم الناس عن ولاية أمر اليتيم ، والله سبحانه يتولاه برعايته ، ويحفظه بكلاءته . فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً هذا بيان ما يجب القيام به عند انتهاء الوصاية عليه ، وهو أن يدفع إليه ماله كاملا ، وللاحتياط من الخصومات والمنازعات يشهد على دفعه المال ، والشهادة في هذه الحال حجة لازمة ملزمة للمحجور عليه الذي انتهت الوصاية عليه ، فهذا إرشاد

--> ( 1 ) رواه أحمد : الوصايا : مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ( 6726 ) ولفظه : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ رجلا سأل النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : ليس لي مال ولي يتيم . فقال : « كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذّر ولا متأثّل مالا ، ومن غير أن تقي مالك - أو قال تفدي - مالك - بماله » ، والنسائي : الوصايا - ما للوصي من مال اليتيم ( 3608 ) .